الشوكاني

42

فتح القدير

يعقوب لصاحب علم لأجل تعليم الله إياه بما أوحاه الله من أن الحذر لا يدفع القدر . وأن ما قضاه الله سبحانه فهو كائن لا محالة ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) بذلك كما ينبغي ، وقيل لا يعلمون أن الحذر مندوب إليه وإن كان لا يغني من القدر شيئا ، والسياق يدفعه ، وقيل المراد بأكثر الناس المشركون ( ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه ) أي ضم إليه أخاه بنيامين ، قيل إنه أمر بإنزال كل اثنين في منزل فبقى أخوه منفردا فضمه إليه و ( قال إني أنا أخوك ) يوسف ، قال له ذلك سرا ، من دون أن يطلع عليه إخوته ( فلا تبتئس ) أي فلا تحزن ( بما كانوا يعملون ) أي إخوتك من الأعمال الماضية التي عملوها ، وقيل إنه لم يخبره بأنه يوسف ، بل قال له : إني أخوك مكان أخيك يوسف فلا تحزن بما كنت تلقاه منهم من الجفاء حسدا وبغيا ، وقيل إنه أخبره بما سيدبره هو معهم من جعل السقاية في رحله ، فقال لا أبالي ، وقيل إنه لما أخبر يوسف أخاه بنيامين بأنه أخوه قال : لا تردني إليهم ، فقال قد علمت اغتمام أبينا يعقوب فإذا حبستك عندي ازداد غمه ، فأتى بنيامين فقال له يوسف : لا يمكن حبسك عندي إلا بأن أنسبك إلى مالا يجمل بك ، فقال لا أبالي . فدس الصاع في رحله ، وهو المراد بالسقاية وأصلها المشربة التي يشرب بها جعلت صاعا يكال به ، وقيل كانت تسقى بها الدواب ويكال بها الحب ، وقيل كانت من فضة وقيل كانت من ذهب . وقيل غير ذلك . وقد تقدم تفسير الجهاز والرحل . والمعنى : أنه جعل السقاية التي هو الصواع في رحل أخيه الذي هو الوعاء الذي يجعل فيه ما يشتريه من الطعام من مصر ( ثم ) بعد ذلك ( أذن مؤذن ) أي نادى مناد قائلا ( أيتها العير ) قال الزجاج : معناه يا أصحاب العير . وكل ما امتير عليه من الإبل والحمير والبغال فهو عير ، وقيل هي قافلة الحمير . وقال أبو عبيدة : العير الإبل المرحولة المركوبة ( إنكم لسارقون ) نسبة السرق إليهم على حقيقتها ، لأن المنادي غير عالم بما دبره يوسف . وقيل إن المعنى : إن حالكم حال السارقين كون الصواع صار لديكم من غير رضا من الملك ( قالوا ) أي إخوة يوسف ( وأقبلوا عليهم ) أي حال كونهم مقبلين على من نادى منهم المنادي من أصحاب الملك ( ماذا تفقدون ) أي ما الذي فقدتموه . يقال فقدت الشئ إذا عدمته بضياع أو نحوه ، فكأنهم قالوا ماذا ضاع عليكم ؟ وصيغة المستقبل لاستحضار الصورة ( قالوا ) في جوابهم ( نفقد صواع الملك ) قرأ يحيى بن يعمر " صواغ " بالغين المعجمة . وقرأ أبو رجاء " صوع " بضم الصاد المهملة وسكون الواو بعدها عين مهملة . وقرأ أبي " صياع " . وقرأ أبو جعفر صاع . وبها قرأ أبو هريرة . وقرأ الجمهور " صواع " بالصاد والعين المهملتين . قال الزجاج : الصواع هو الصاع بعينه . وهو يذكر ويؤنث ، وهو السقاية ، ومنه قول الشاعر : نشرب الخمر بالصواع جهارا ( ولمن جاء به حمل بعير ) أي قالوا : ولمن جاء بالصواع من جهة نفسه حمل بعير . والبعير الجمل ، وفي لغة بعض العرب أنه الحمار ، والمراد بالحمل ها هنا ما يحمله البعير من الطعام ، ثم قال المنادي ( وأنا به زعيم ) أي بحمل البعير الذي جعل لمن جاء بالصواع قبل التفتيش للأوعية ، والزعيم هو الكفيل ، ولعل القائل نفقد صواع الملك هو المنادى ، وإنما نسب القول إلى الجماعة لكونه واحدا منهم ، ثم رجع الكلام إلى نسبة القول إلى المنادى وحده لأنه القائل بالحقيقة ( قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض ) التاء بدل من واو القسم عند الجمهور ، وقيل من الباء ، وقيل أصل بنفسها ، ولا تدخل إلا على هذا الاسم الشريف دون سائر أسمائه سبحانه ، وقد دخلت نادرا على الرب ، وعلى الرحمن ، والكلام على هذا مستوفى في علم الإعراب ، وجعلوا المقسم عليه هو علم يوسف وأصحابه بنزاهة جانبهم وطهارة ذيلهم عن التلوث بقذر الفساد في الأرض الذي من أعظم أنواعه السرقة ، لأنهم قد شاهدوا منهم في قدومهم عليه المرة الأولى ، وهذه المرة من التعفف والزهد عما هو دون السرقة بمراحل ما يستفاد منه العلم الجازم بأنهم ليسوا بمن يتجارأ على هذا